آيا صوفيا..
ماذا تعني آيا صوفيا متحفاً أو مسجداً؟
إن آيا صوفيا لم يك قط متحفاً يتسرى الناس فيه سياحةً مترفِّلين بتراث منشود يحكي تواريخ أجيال وأمم بثقافاتها وأنسجتها من الحضارة. ولم يك قط متحفاً يعبر عن الإنسان وحالته تلك متجردة عن أي انتماء. كما أنه ليس يطوي الأديان عاكساً التسامح بينها.
إنه كما يتبدى لي ويتشتت:
1-شأن يريد إفهامنا أن السلام هو في الحياد الذي لا ينتمي إلى دين مألوف. متحف وسط بين الملل والنحل يقف بين هؤلاء وهؤلاء يهادن الأديان وهي تتصارع مع بعضها. إنه قيمة الإلحاد وقد تشخصت في مكان تطور من كنيسة فمسجد إلى شكل حداثي راق نسميه متحفاً، دينه هو الفن (بإطلاق هكذا؟ ولاحظ معي كيف يراد إقامة حرب شعواء بين الدين والفن في سلسلة تطاحن لا تنتهي) وطقوسه هي الرموز والمنحوتات والبنايات، وكتابه هو فلكلور ما يفرضه عليك المتحف من تعامل ومشي معينين داخله وما يجوز لمسه مما لا يجوز تصويره بالعدسة..، وأجره هو ما يذره من أحوال تذاكر الزوار. إن آيا صوفيا تصف الإلحاد بريقَ العين المحايدَ.
2-إن آيا صوفيا متحفاً يعكس السلام الذي يعني أنه يكمن في وسيط ثان لا يركن إلى دين دون دين. بكلام آخر. المعنى هُوَ هُوْ؛ إن القيم العليا لا يفرزها الدين إطلاقاً كما لا تحتكرها الأديان لنفسها. إنها شكلٌ رفيع عن كل الديني متجلٍ باستمرار في الذي لا ينتمي.
3-لم يك آيا صوفيا متحفاً قط بهذا القصد! إنما آيا صوفيا بالإصرار على إبقائه متحفاً توكيد على أن أيّاً من شعائر الإسلام يتوجب عليها الاختباء، كل إسلامي هو وراء الستار مخجول منه ميؤوس عليه.
4-إن آيا صوفيا متحفاً سحق للتاريخ غير التاريخ الرومي، فلا يهم عدد السنين التي ظل عليه المكان مسجداً ولو نافت على الـ500 سنة، إذ المعنى هو في أنه كان غير رومي، ومن ثمتَ لا يعتد به. إن دهس التاريخ بهذا المنحى العنيف ليس يعكس جرد التاريخ من أحداثه الموضوعية وحسب ونقله من مفهوم "التاريخ" (هكذا بإطلاق) إلى مفهوم "تاريخنا" الذي يلبي شهوتي الأنوية حيث نحن-نكون ونحن-نفكر.
5-فلا مندوحة من أن يطير من لا بداهة له إلى استنكار هذا الحدث من العُرب. فليس من المنبغى أن ننصت إلى هؤلاء إذ لا مواد معرفية لديهم ينتجها حصيف ذهن، إذ أحوالهم بين:
1-جمهور منهم يمثل هذا المتحف وضعيته بما يُفقِد نقدَه الحيادَ، ألا تلاحظ أن أحدهم يستنكف عن كل الأديان ويفصل بين تشاجرها كأنه الحكم العدل الذي يوزع الصواب والخطأ عليها، ويرى التصويب في النقد للجميع دون أن يكون مع الجميع أو من الجميع. فالمتحف هو وضعية التلحيد بين الجدران كما أن المستنكر تلحيد يحمل القلم الأحمر يصوب للكل، فعدم الانتماء للديني وتمثيل الحداثي البغيض الذي تراكم عن الديني هو الموضع الذي يرى أنه لائق به. فدفاعه عن المسجد ليبقى متحفاً هو دفاع عن نفسه، ومنافحة عن ذاته التي تهددها المساجد والأديان.
2-جوقة تكره الإسلام التي تكِن له ما أكَنَّ الطاغية نيرون لروما من إضمار حرقها عند سناح الفرصة المناسبة. فلو تحول آيا صوفيا مثلاً لكنيسة لفتح فمه -الذي لا يفتحه إلا مرتين؛ أ-للأكل، ب-وللكلام على الأكل وعن توابع الأكل- من شدقه إلى شدقه جذِلاً مستبشراً. وهؤلاء بَعث حقير لا ينظر إلى خزيه أو عاره.
يونس الخمليشي



تعليقات
إرسال تعليق
يمكنك إبداء ملاحظتك بترك تعليق